أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

13

مقامات بديع الزمان الهمذاني

معاوية قد فسق ، ولكنهم لا يجزمون بواحد منهما . ويرى أنهم في ذلك يقتربون من الخوارج ويرون رأيهم إلا القتال . [ 5 ] وتحفل المقامات بالوعظ والحكم والحث على العلم ، وقد خصص الهمذاني مقامة للوعظ يدعو فيها إلى الزهد في الدنيا والإعداد للآخرة ، يقول فيها : « إن بعد المعاش معادا فأعدوا له زادا . . ألا وإن الفقر حلية نبيكم فاكتسوها ، والغنى حلة الطغيان فلا تلبسوها . . . كذبت ظنون الملحدين الذين جحدوا الدين وجعلوا القرآن عضين . . . ألا وإن العلم أحسن على علاته ، والجهل أقبح على حالاته ، وإنكم أشقى من أظلته السماء إن شقي بكم العلماء ، الناس بأئمتهم . . والناس رجلان : عالم يرعى ومتعلم يسعى ، والباقون هامل نعام وراتع أنعام . . . » . أما العلم فلا يدرك بالحظ ، ولا بالحلم ، ولا بالوراثة ، ولا يستعار ، وإنما يتوسل إليه بالاجتهاد في الطلب وإدمان السهر وتحمل المشقات والأسفار ، وكثرة النظر واعمال الفكر . وهو لا يغرس إلا في النفس ولا يحفظ إلا في الروح والقلب ، ومنهجه الدرس والنظر ثم الانتقال إلى التحقيق ، ثم الانتهاء إلى التعليق ( المقامة العلمية ) . ونحن نجد تناقضا في الآراء وتعارضا في المواقف واضطرابا في الأحكام . فهو تارة يدعو إلى العلم وطورا يدعو إلى الحمق . ومرة يحث على طلب اللذة وأخرى يحث على الزهد . وآنا ينصح بالكرم وبذل المال وآونة ينصح بالبخل واكتناز المال . لنسمعه يقول في الحط من شأن المال والغنى : « هل المال إلا عارية مرتجعة ووديعة منتزعة ؟ ينقل من قوم إلى آخرين وتخزنه الأوائل للآخرين . هل ترون المال إلا عند البخلاء دون الكرماء والجهال دون العلماء ؟ إياكم والانخداع